الخميس، 5 مايو 2016

              
كان ذلك الطبيب يعامل مرضاه بكل لطف وحنان > متناسياً راتبه الدنيوي ومتذكراً على الدوام أجره الأعظم عند الله > وربما كان هذا الشعور النبيل > من جملة أسباب أخرى > جعلته يكون بطل قصتنا مع ذلك ( الرجل الغامض )
اعتاد الطبيب مع كل صباح جديد > زيارة كل أقسام المستشفى > والسلام على المرضى ومداعبتهم وتخفيف آلامهم > ولكن الغرفة رقم 33 كانت تشكل لطبيب حالة خاصة > حيث أن فيها مريض قد أصيب بحالة إغماء ونوبة إعياء شديدة > فور وصوله إلى مطار المدينة عائداً من أحد البلاد الغربية
كان ذلك الرجل الغامض > ودوداً حسن المعشر > لكن في قسمات وجه وملامحه تقرأ أسرار لا حصر لها > اليوم هو اليوم الثالث لذلك الرجل في المستشفى > وقريباً سوف نأذن له بالمغادرة إذا تماثل للشفاء
كان الطبيب يجد في ( غرفة 33 ) نوع من أنواع المتعة والبهجة ؟ التي يجهل الطبيب أسبابها ؟ وكان المريض الذي فيها > كبير في السن لكنه مرح ولا يمل الجلوس معه والسماع لحديثه > ومع هذا كانت أجواء الغموض كثيرة > ومنها مثلاً > أولائك الزوار الغرباء ؟ الذين حين يراهم ذلك المريض يصاب بقلق شديد وتوتر رغم محاولته إخفاء ذلك عن أعين الجميع ؟ ودائماً ما يطالبونه بالخروج سريعاً من المستشفى ؟ وكان هو بدوره يعدهم ويقسم لهم بالله > أنه سيخرج فور إحساسه بشيء من الصحة والقدرة على الحركة
هذه الزيارات وما صحبها جعلتني > أشك أن خلف هذا المريض أسرار دفينة !!! حيث أنه أتضح لي > من واقع سجلاته في المستشفى > أنه من الطبقة الفقيرة جداً > ومع هذا فزائريه الغرباء يبدو عليهم ( الترف والبذخ الشديد ويحضرون للمستشفى بسيارات باهظة الثمن ؟ ) وما زاد الأمر تعقيداً وكان من أسباب تعلقي > بذلك المريض > هو أنني أحس بأنه يريد > أن يكشف لي سره ؟ أو أنه يتمنى أن يبوح لي بشيء خطير > ولكني أحس بذات الوقت أنه يخشى أمر ما > أنا حقاً لا أعلمه ولم أفهم ما يكون ؟ حتى بلغ الأمر بي > أن سألت أبنائه ذات مره > منهم هؤلاء الزوار ؟ فقالوا بأنهم لا يعلمون عنهم شيء ؟ وأن والدهم المريض أخبرهم بأنهم أصدقائه ! لم تكن تلك الإجابة تقنعني نهائياً ؟ ولكن لكوني في النهاية مجرد طبيب > فلن أسمح للفضول أن يزيد عن حدة المعقول > ثم أدخل بتطفل غير مستحسن > في عمق تفاصيل حياة هذا الرجل
وحينها قررت أن أقلل > زيارتي وان أصرف ذهني تماماً عنه > إلا أن الأحداث كانت تجري صوب ناحية أخرى تماماً ؟ حيث أنني وكالعادة جئت مبكراً إلى عملي في أحد الأيام > وعند وصولي ( للغرفة رقم 33 ) وجدت المريض ليس هناك !!! فتعجبت لأنني لم أعطي أذن له بالخروج ؟ حينها ناديت الممرض وسألته > بصوت فيه شيء من الغضب ( مع أن الغضب ليس من عادتي ولا طبعي ) وقلت للممرض من الذي أذن بخروج المريض ؟؟؟ فأجابني ( أن الرجل توفي ليلة البارحة ؟ ) وفي نفس اللحظة التي سمعت بها الخبر > تملكني شعور مبهم > برغم أن الرجل مات وفارق الحياة الدنيا > إلا أني على يقين لا أدرك مبعثه > بأن هناك حقاً رابط وخيط رفيع مازال > يصلني به حتى بعد موته > وأنه لم ينقطع !!!
... هنا تم الجزء الأول من القصة
((( نستكمل الجزء الثاني )))
وصل أبناء الرجل مبكراً ليستلموا جثمان والدهم > سألتهم متى سيكون وقت الدفن فأخبروني أن الصلاة عليه ستكون بعد ظهر نفس اليوم وأن الدفن سيكون في المقبرة الكبيرة الجنوبية بالمدينة
ودعتهم وهم يحملون جثمان ذلك الرجل الغامض > فعاودني الشعور بالرابط الغريب بيني وبينه وبدأت أسأل نفسي > عن حقيقة هذا الإحساس مع رجل قد فارق الحياة > كما أنه لا يربطني معه صلة قرابة ولا عرى صداقة ؟ إلا أنه كان مريضاً من جملة مرضى عندي في المستشفى الحكومي ؟ مع هذا كله عزمت > على أن أحضر الصلاة والدفن > لأكسب الأجر أولاً > وربما أصل لجواب شافي يريحني ويخمد نار تلك المشاعر داخلي تجاه ذلك الإنسان ؟
انتهت صلاة الظهر وبعدها الصلاة على الميت > وحمل المشيعون الجثمان على الأعناق > وعند وصولنا هناك وفي وسط غبار المقبرة وبين جموع الناس > إذا بي أرى أولائك الزوار الغرباء الذين كانوا يحضرون لرجل بالمستشفى ؟
يا ألهي ! ماذا يريدون منه وقد مات ! كانوا ينظرون إلى جثمان الرجل وكأن > بينهم وبينه ثأر وضغينة وأحقاد ؟ بدأت الحيرة تجتاحني من جديد بل وبقوة أشد من السابق ؟ كان أبناء الميت منهمكين في انزال والدهم لمثواه ؟ الجميع كان يذكر الله ويترحم على الميت > إلا > هؤلاء الغرباء > فكأنهم غربان سوداء تقف على شجرة وترقب بحنق وغضب لما يجري ! إنهم > صامتين فلا يذكرون الله كما يفعل الآخرون ؟ ولم أرهم في المسجد وقت الصلاة على الميت ؟ وأبناء الميت كما أخبروني قبل ذلك لا يعرفونهم ؟ ولا يظهر عليهم مظاهر الحزن أو التأثر لوفاته ؟ بل مجرد نظرات غضب > تجاه جثة رجل ميت لا روح فيها !
حاولت سؤال الأبناء بعد أن تفرق جمع المشيعين > وذهب أكثر الناس > فقلت هل قدم الغرباء لكم العزاء وهل أخبروكم > عن علاقتهم بابيكم ؟ لكنني سمعت منهم رداً > غليظ قاسي لم أتوقعه نهائياً > من أبناء ذلك الرجل > وكأنهم يقولون لي > وما شأنك أنت أيه الطبيب > لتسألنا هذه الأسئلة > للأسف > لم يكنوا مثل أبيهم لطفا المعشر ودودين ؟ عندها قمت بواجب العزاء ورحلت عنهم ؟
كنت أدعو للميت بالرحمة والمغفرة > وأنا أجر الخطى عائداً > إلى عملي بالمستشفى > والحيرة التي كنت أظنها ستنتهي > ازدادت تمزيقاً في أحشائي > أكثر من ذي قبل ؟ دخلت مقر عملي > وتوجهت بدون تردد > لقراءة تقرير الوفاة > فوجدته طبعي جداً ؟ وان الوفاة حدثت بسبب الإعياء الشديد وتعطل وظائف الجسد الحيوية ومن ثم توقف القلب ؟ فقلت في نفس > يا الله متى لهذه الأفكار أن ترحل عن مخيلتي > إنه كان يوم عمل تعيس بالنسبة لي > حتى لاحظ ذلك > المرضى وكل من حولي من الأطباء والممرضين > فقد أحس الجميع أنني في وضع غير طبيعي
كنت أريد لذلك اليوم أن ينتهي بسرعة > لأنام وأرتاح > ولم أكن أعلم أنني على موعد مع ما هو أشد وقعاً مما سبق ؟ حيث أن الأحلام والكوابيس حاصرتني في تلك الليلة > فما أن اغرق بالنوم قليلاً من شدة التعب > إلا وأرى صورة الرجل الغامض > وهو يضحك على سريرة ويحدثني كعادته > ثم أرى الغرباء يقتحمون الغرفة رقم 33 التي كان فيها المريض بشكل مرعب > فأصرخ واستيقظ من جديد > وهكذا استمرت معاناتي طوال تلك الليلة ؟
أدخلت زوجتي وأبنائي في > دائرة مشكلة ليس لهم صلة بها > حتى أصبحت تلك الليلة جحيم لا يطاق ! وبلغ بي الجهد حد لا يمكن وصفه > وما أن سمعت > آذان الفجر حتى ذهبت مسرعاً للصلاة لأهرب مما أنا فيه إلى الروحانية والطمأنينة في بيت من بيوت الله تعالى > وبعد الخروج من المسجد أحسست برغبة شديدة لزيارة قبر الرجل ! إحساس غريب ومشاعر مختلطة > لا معنى لها > لكنها كانت ملحه > نظرت للساعة وإذا بوقت طويل يفصلني عند بدأ العمل > فقلت لا يمنع الآن > أن أذهب وأزور قبر ذلك الرجل ثم أتوجه لعملي
دخلت المقبرة في ذلك الصباح الباكر > حيث لم يكن أحد يقوم بزيارة المقابر في هذا الوقت > ضياء الشمس لم يظهر بعد > مع أنك ترى الأشياء من حولك لسفور الفجر > توجهت لمكان القبر > الذي دفن فيه الرجل ظهيرة يوم أمس > فهالني جداً ما رأيته > ما الذي جرى ؟ إن الرجل ليس موجود في القبر ؟ تراب القبر مبعثر هنا وهناك > ما هذا ؟ هل أنا أحلم أما ماذا ؟ هناك آثار أقدام ؟ تابعت تلك الآثار > وإذا بها تخرج خارج المقبرة > إلى منطقة أعشاب كثيفة > بدأت أبحث وأدور هناك كالمجنون ؟
أحسست أن كل مشاعري تجاه ذلك الرجل وصلت غاية التوهج > أدركت أنها كانت صادقة منذ بدايتها فكيف يا ترى ستكون نهايتها > بل أنها كانت أشبه ببوصلة توجهني إلى شيء مازلت أجهله ؟ وأيقنت أنني الآن > أعيش > اللحظات الأخيرة > التي تفصل بيني وبين كشف نهاية ذلك السر المحير القابع خلف حياة > ذلك الرجل > وبينما أنا غارق في بحر من التفكير والتساؤلات > وفي نفس الوقت > أركض وأبحث عن الرجل > وأدور وسط تلك الأعشاب مثل المصاب بلوثة في دماغه > حينها وفي لحظة سريعة خاطفة > وجدته أمامي ؟؟؟ نعم > أنه هو الرجل الغامض !!!
... هنا تم الجزء الثاني من القصة
((( نستكمل الجزء الثالث والأخير )))
لكن من الذي أخرج جثمانه من قبره ؟ وقطع جسده بهذه الطريقة ؟ لا اله إلا الله ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم !!!
جلست منهكاً من كثرة البحث كما أنني لم أمضي ليلة مريحة > والآن أرى أمامي جسد الرجل الغامض > مقطع بهذه الطريقة الوحشية البشعة بعد أن تم أخراجه من قبره ؟ يا الله > ما كل هذا ؟ ولماذا ؟
جلست أفكر لكن الإنهاك والتعب ومنظر الرجل يفقدني أي محاولة لتركيز > لم يبقى أمامي إلا الحل الوحيد وهو أخبار الشرطة بما حدث > والله سيتولى أمر هذا الرجل الغامض > الذي دخل حياتي بلا أستأذن > ولا أعلم إلى أين سينتهي طريقي معه ؟
اتصلت بالشرطة > وجلست هناك بقرب الجثمان > أنتظر وصولهم وقد أشرقت الشمس بأنوارها وبدأت استنشق الهواء لعلى صدري ينفرج قليلاً بسبب ما تراكم عليه من أحدث غريبة لا أجد لها أي تفسير > وبينما أنا بانتظار رجال الأمن > ومع تسلل ضوء الشمس وسط الأعشاب > وإذا بي أرى شيئاً يلمع أو كأنه يضيء > وسط أحشاء الرجل المقطعة !!! ما هذا يا ترى ؟ قمت لأستكشفه > ثم توقفت وتذكرت أنه من الخطأ تحريك أي شيء حتى يتم أخذ جميع الأدلة الجنائية من المكان وكما هي دون لمس
وصلت الجهات الأمنية أخبرتهم عما شهدت في أحشاء الرجل وكذلك أخذوا مني كل المعلومات وطلبوا مني الذهاب معهم لاستكمالها في الإدارة الأمنية > ذهبت وأنا مجهد متعب والحيرة تقتلني > وأنا أتسأل من فعل هذا ولماذا ؟ وفي وقت الإستجواب أخبرت المحقق بقصة ( الغرباء ؟ ) لكنني في نفس الوقت لا أعلم عنهم أي شيء > إلا أوصافهم وأشكالهم التي وصفتها لهم > تم أخذ جميع الإجراءات الرسمية بسلام
ومن ثم خرجت من هناك > واتصلت بعملي وأخبرتهم أنني أرغب بإجازة طارئة لمدة أسبوع > ذهبت فوراً للمنزل وأخذت أسرتي إلى حيث يسكن أهلي في تلك القرية البعيدة > خارج صخب المدينة وضوضائها المزعج > لكي أستريح > بعد أن انتهت قصة ذلك الرجل الغامض معي > وعرفت أنني كنت سبباً لكشف الحادثة البشعة > وان ذلك الإحساس الذي ربطني بالرجل كان خلفه رسالة > وأن تلك الأحلام المزعجة في تلك الليلة المريرة كانت كلها رسائل لي > وقد قمت بواجبي تجاه ذلك الإنسان
أمضيت إجازتي بسعادة > وبعد عودتي بأيام إلى المدينة > اتصلت بي الجهات الأمنية > وطلبوا حضوري للإدارة > وفعلاً ذهبت وإذا بالمفاجئة الكبرى كانت تنتظرني هناك > إنهم أولائك ((( الغرباء ))) مقيدين في غرفة ضابط التحقيق ؟ تم توجيه السؤال لي مباشرة > هل تعرف هؤلاء الأشخاص > فقلت وكيف لا أعرفهم إنهم نفس الأشخاص الذين كانوا يزورون الرجل أيام مرضه في المستشفى قبل وفاته > وهم أنفسهم الذين رأيتهم في المقبرة ساعة الدفن
أمر الضابط بإخراجهم من غرفة التحقيق > ثم ألتفت إلي وقال > أتعلم يا دكتور ما هو ذاك الشيء الذي رأيته يلمع في أحشاء الرجل ؟ قلت ومن أين لي أن أعلم ! قل تلك يا دكتور كانت قطعة ألماس!
ثم أسترسل الضابط بحديثة > يروي لي القصة من أولها > وقال > إن الرجل قابل عاصبة دولية في تهريب الألماس والقطع النادرة الثمينة > حين كان مسافراً لأحد الدول الغربية على حساب جهة عملة الحكومية > التي كان يعمل بها كمندوب > هناك قابله أفراد العصابة > وأغروه بالمال نظير أن يقوموا بزرع جرامات من الألماس > في جسده مع قطعة صغيرة أثرية نادرة > وأخبروه أنه عند وصوله هنا وتسليمها لهم > سوف يتقاضى مبلغ كبير لا يحلم به طوال حياته مقابل هذه العملية التي لن تكلفه شيء ؟
كان الضابط يتحدث > وأنا كنت في غاية الدهشة والذهول > ثم أكمل بقوله > لكن طمعهم جعلهم يزيدون الكمية فوق ما يحتمل جسد ذلك الرجل > من كمية الألماس المهربة > والتي تسببت يا دكتور كما تعلم بحالة الإنهاك الشديد فور وصوله للمطار هنا في بلادنا > مما جعل أفراد العاصبة > يصابون بحالة قلق شديد كونه قد دخل مستشفى حكومي > فمن الممكن في أي لحظة > أن يتم كشف العملية برمتها > ولهذا كما أخبرتنا سابقاً يا دكتور أثناء التحقيق معك > أنهم كانوا يلحون على الرجل > بالخروج السريع > ليس حباً فيه ولكن خوفاً على الثروة الضخمة المزروعة > في أحشائه وعندما توفي > تورطوا أكثر وأكثر > وفي النهاية حدث ما حدث حين قاموا > بنبش قبره وإخراج الجثمان وتقطيعه بتلك البشاعة وبسرعة بقرب المقبرة > لاستخراج ما في جوفه من ألماس > بالإضافة لتلك القطعة الأثرية الصغيرة الأهم > والتي لا تقدر بثمن
ثم أردف الضابط حديثة > نحن كنا نراقب أحد المشتبه بهم في التجارة المحرمة دولياً > وقد علمنا بموعد الصفقة > وتم القبض عليهم > وبعد بلاغك > وربطنا للأحداث مع بعضها البعض > خاصة وأن قطعة الألماس التي بقيت في جسد المتوفى هي من نفس نوع الألماس المضبوط تماماً > جعلنا ننهي ملف القضية مستوفية كل الأدلة والبراهين على هؤلاء المجرمين
خرجت من الإدارة الأمنية > وأنا متعجب غاية العجب > ومسترجع لكل ذكرياتي مع ذلك الرجل الغامض > الذي كان يريد الحياة بكرامة > لكنه وبكل أسف > سلك مسلكاً خاطئ > حتى انتهت به الأمور إلى تلك النهاية المحزنة الأليمة > والعاقبة الوخيمة ... تمت القصة

Unknown

»
السابق
رسالة أقدم
«
التالي
رسالة أحدث

ليست هناك تعليقات :

ترك الرد